المقريزي
182
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
ذي الحجة وخلع عليه في يوم الخميس النصف منه ، واستقرّ في كتابة السّرّ عوضا عن جلال الدين محمد بن البدر محمد بن مزهر ، وكانت الطّرحة خضراء برقمات من ذهب ، ونزل في موكب عظيم ، وبين يديه الأمراء وعامّة أعيان الدّولة والقضاة ، فكان يوما مشهودا . وباشر ذلك أجمل مباشرة من عدم الحجاب ، والانتصاب لقضاء حوائج النّاس ليلا ونهارا ، مع العفّة عن أموالهم وفطم أتباعه عنها ، وكثرة الآداب ، ولين الجانب ، وحسن الوساطة ، وبذل المعروف ، حتى لقد كنت أستكثره على الزّمان ، إلا أن الأيام لم تسعده ، والأقدار لم تساعده فلم يتمكّن من السّلطان حتى فجأه أمر اللّه ومات بالطّاعون موتا وحيّا لم يتمكّن فيه حتى ولا من الكلام في ليلة الخميس ثامن عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وثماني مائة ، وعند اللّه نحتسبه ، ثم نسأله أن يلحقه بسلفه الكرام . 117 - أحمد بن إسماعيل بن عبد اللّه الملقّب شهاب الدين ، الحريريّ « 1 » . كان عارفا بالنّحو والعروض وعلمي المعاني والبيان ، فاضلا في الطبّ والمنطق والطبيعيات ، قاسى من الفقر آلاما مدّة سنين ، ثم أوصله الرئيس فتح الدين فتح اللّه الدّاودي وهو يومئذ يتولّى وظيفة رياسة الأطباء بالملك الظّاهر برقوق ، وقد عرض له وعك في سنة ثماني مائة وأثنى عليه عنده ، فنجع فيه علاجه وبرأ فأنعم عليه بما أزال به بعض شعثه ، ثم مات العلاء الأقفهسي ، وكانت بيده وظائف منها مشيخة خانقاه بشتاك وتدريس الجامع الخطيري ببولاق ، وتدريس الجامع الحاكمي ، وغير ذلك ، فأمر السلطان بتوليته وظائف المذكور ، فاستقرّت له بعد منازعات ، فأخذ حينئذ ينظر في كتب الفقه ، وتزوّج وسلك طريقا حميدة حتى مات في خامس عشري ذي القعدة سنة تسع وثماني مائة . وأنشدني غير مرة من شعره ، ولم يتّفق لي أن أكتب شيئا منه . ومن
--> ( 1 ) ترجمته في : ذيل الدرر ، الترجمة 270 ، وإنباء الغمر 6 / 17 ، والضوء اللامع 1 / 240 .